فصل: تفسير الآيات رقم (7- 10)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 102‏]‏

‏{‏قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ‏(‏98‏)‏ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ‏(‏99‏)‏ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ‏(‏100‏)‏ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ‏(‏101‏)‏ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ هذا رَحْمَةٌ مّن رَّبّى‏}‏، أي هذا السد رحمة من ربي عليكم‏.‏ ‏{‏فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى‏}‏؛ يقول‏:‏ إذا جاء أجل ربي، ‏{‏جَعَلَهُ دَكَّاء‏}‏ يعني كسراً‏.‏ قرأ أهل الكوفة ‏{‏دَكَّاء‏}‏ بالمد، وقرأ الباقون بالتنوين ‏{‏دَكّاً‏}‏ إذا لم يكن لها سنام‏.‏ ‏{‏وَكَانَ وَعْدُ رَبّى حَقّاً‏}‏، أي صدقاً وكائناً بخروجهم‏.‏ ‏{‏وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ‏}‏، أي يحرك في بعض وراء السد، ‏{‏وَنُفِخَ فِى الصور‏}‏؛ قال أبو عبيدة‏:‏ تنفخ الأرواح في الصور، وقال عامة المفسرين‏:‏ يعني‏:‏ ينفخ إسرافيل في الصور‏.‏ وهذا موافق لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَهُ وَحَنَى جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ وَيَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ فِيهِ» ‏{‏فجمعناهم جَمْعاً‏}‏، أي يوم القيامة نجمع يأجوج ومأجوج وجميع الخلق‏.‏

‏{‏وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ‏}‏، أي كشفنا الغطاء عنها قبل دخولهم جهنم‏.‏ ‏{‏للكافرين عَرْضاً‏}‏، أي كشفاً ويكون المصدر لتأكيد الكلام‏.‏ ثم نعت الكافرين فقال‏:‏ ‏{‏الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ‏}‏، أي أعين الكافرين ‏{‏فِى غِطَاء عَن ذِكْرِى‏}‏، أي في عمى عن التوحيد والقرآن فلم يؤمنوا‏.‏ ‏{‏وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً‏}‏، أي استماعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بغضه وعداوته‏.‏

‏{‏أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِى أَوْلِيَاء‏}‏، يعني‏:‏ أن يعبدوا غيري؛ ومعناه لا يحسبن الكافرون بأن يتخذوا أولياء يعبدون معي شيئاً، لأن المشركين كانوا يدعون بعض المؤمنين إلى الشرك وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 42‏]‏، ويقال‏:‏ ومعناه أفيظن الذين كفروا أن يعبدوا عبادي، يعني‏:‏ الملائكة وعزيراً والمسيح، من دوني أولياء، يعني‏:‏ أرباباً، ومعناه يظنون أنهم لو اتخذوهم أرباباً تنفعهم عبادتهم ويفوتون من عذابي‏.‏ ثم بيّن عذابهم فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ للكافرين نُزُلاً‏}‏، أي منزلاً‏.‏ روي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ ‏{‏أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ بجزم السين وضم الباء، معناه أيكفيهم مني ومن طاعتي أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء فحسبهم جهنم ‏{‏إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ للكافرين نُزُلاً‏}‏ أي منزلاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 108‏]‏

‏{‏قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ‏(‏103‏)‏ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ‏(‏104‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ‏(‏105‏)‏ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ‏(‏106‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ‏(‏107‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالاخسرين أعمالا‏}‏ يعني‏:‏ الخاسرين أعمالهم، ‏{‏الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ‏}‏؛ أي بطلت أعمالهم ‏{‏الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ‏}‏، أي يظنون أنهم يفعلون فعلاً حسناً‏.‏ قال علي بن أبي طالب‏:‏ هم الخوارج؛ وهكذا روي عن أبي أمامة الباهلي؛ وروي عن سلمان الفارسي أنه قال‏:‏ هم رهبان النصارى أهل الصوامع، وهكذا قال مقاتل‏.‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ‏}‏، أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ‏{‏وَلِقَائِهِ‏}‏، أي البعث بعد الموت‏.‏ ‏{‏فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ‏}‏، أي بطلت حسناتهم، ‏{‏فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً‏}‏؛ أي لا توزن أعمالهم مثقال ذرة، ويقال‏:‏ لا نقيم لأعمالهم ميزاناً‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُم‏}‏، أي هكذا عقوبتهم‏.‏ ‏{‏جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ واتخذوا ءاياتى وَرُسُلِى‏}‏، أي القرآن ومحمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏هُزُواً‏}‏، أي استهزاء‏.‏

‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً‏}‏، أي منزلاً‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ الفردوس بلغة الروم البساتين عليها الحيطان، وقال السدي‏:‏ الأعناب بالنبطية؛ وروى الحسن، عن سمرة بن جندب قال‏:‏ الفردوس ربوة خضراء من الجنة هي أعلاها وأحسنها؛ وقال الكلبي‏:‏ جنات الفردوس من أدنى الجنان منزلاً؛ وروى أبو أمامة الباهلي قال‏:‏ الفردوس سرة الجنة أي أوسطها‏.‏ ‏{‏خالدين فِيهَا‏}‏، أي دائمين فيها‏.‏ ‏{‏لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً‏}‏، أي تحولاً رضوا بها وبثوابها‏.‏ وقال بعض المفسرين تمام النعمة أنهم لا يتمنون التحول لأنهم لو تمنوا التحول عنها لتنقص النعم عليهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109- 110‏]‏

‏{‏قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ‏(‏109‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ‏(‏110‏)‏‏}‏

‏{‏قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى‏}‏؛ وذلك أن اليهود قالوا‏:‏ يزعم محمد أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، ثم يزعم ويقول‏:‏ ‏{‏وَيَسْألُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏ فكيف نوافق الخير الكثير مع العلم القليل‏؟‏ فنزل‏:‏ قل يا محمد‏:‏ ‏{‏لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى‏}‏ يكتب به، ‏{‏لَنَفِدَ البحر‏}‏ وتكسرت الأقلام، ‏{‏قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى‏}‏؛ أي لا تنفد كلمات ربي‏.‏ كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّمَا فِى الارض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 27‏]‏‏.‏ ‏{‏وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً‏}‏، أي بمثل البحر، وقرأ بعضهم ‏{‏وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَاداً‏}‏‏.‏ وقراءة العامة ‏{‏مَدَداً‏}‏ ومعناهما واحد ‏{‏يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 269‏]‏ وهو قليل عند علم الله تعالى‏.‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ‏}‏، أي من يخاف البعث بعد الموت‏.‏ ‏{‏فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا‏}‏، أي خالصاً فيما بينه وبين الله تعالى، ‏{‏وَلاَ يُشْرِكْ‏}‏؛ أي لا يخلط ولا يرائي ‏{‏بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا‏}‏‏.‏ وقال سعيد بن جبير ‏{‏فَمَن كَانَ يَرْجُو‏}‏، أي من كان يوجو ثواب ربه؛ وروي عن مجاهد أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ إني أتصدق بالصدقة وألتمس بها وجه الله، وأحب أن يقال لي خيراً‏.‏ فنزل‏:‏ ‏{‏فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا‏}‏‏.‏ قرأ حمزة والكسائي وابن عامر في إحدى الروايتين ‏{‏ءانٍ * يَنفَدُ‏}‏ بالياء بلفظ التذكير، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث؛ لأن الفعل إذا كان مقدماً على الاسم يجوز التأنيث والتذكير‏.‏

قال الفقيه‏:‏ حدّثنا أبو الحسن أحمد بن عمران قال‏:‏ حدّثنا أبو عبد الله المديني، عن مخلد بن عبد الواحد، عن الخليل، عن علي بن زيد بن جدعان، عن زر بن حبيش، عن أبيّ بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فَهُوَ مَعْصُومٌ ثَمَانِيَةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ تَكُونُ، فَإنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ فِي تِلْكَ الثَّمَانِيَةِ أيَّامٍ، عَصَمَهُ الله مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَمَنْ قَرَأ الآيةَ الَّتِي فِي آخِرِهَا ‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ‏}‏ إلى الخاتِمَةِ حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ، كَانَ لَهُ نُورٌ يَتَلألأ فِي مَضْجعِهِ إلى مَكَّةَ، حَشْوُ ذلك النُّورِ مَلائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ مَضْجَعِهِ‏.‏ وَإنْ كَانَ مَضْجعُهُ بِمَكَّةَ فَتَلاَهَا، كَانَ نُورٌ يَتلأْلأ مِنْ مَضْجَعِهِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، حَشْوُ ذلكَ النُّورِ مَلائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمِهِ»‏.‏ إلى غير ذلك مما ورد في فضلها من الأخبار والآثار؛ وصلى الله على سيدنا محمد النبي المختار وعلى آله وصحابته الأطهار، صلاة وسلاماً دائمين ما تعاقب الليل والنهار، آمين آمين آمين؛ والحمد لله رب العالمين

سورة مريم

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏كهيعص ‏(‏1‏)‏ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ‏(‏2‏)‏ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ‏(‏3‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ‏(‏4‏)‏ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ‏(‏5‏)‏ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كهيعص‏}‏؛ قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص بنصب الهاء والياء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي بكسر الهاء والياء، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء ونصب الياء، وقرأ حمزة وابن عامر بنصب الهاء وكسر الياء، وقرأ نافع بين الكسر والفتح وهو اختيار أبي عبيدة؛ ومعنى هذا كله واحد‏.‏ قال ابن عباس في تفسير قوله‏:‏ ‏{‏كهيعص‏}‏، قال‏:‏ كاف فالله كاف لخلقه بالرزق والعطف عليهم، والهاء فالله الهادي للخلق، وأما الياء فيد الله مبسوطة على خلقه بالرزق لهم والعطف عليهم، وأما العين فالله تعالى عالم بخلقه وأمورهم، وأما الصاد فالله تعالى صادق بوعده‏.‏ وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال‏:‏ هو اسم الله الأعظم، وروي عنه أنه قال‏:‏ هو قسم أقسم الله بكهيعص، ويقال‏:‏ هي حروف تدل على ابتداء السور نحو ‏{‏الر‏}‏ و‏{‏المر‏}‏ وغيرهما‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا‏}‏، معناه على طريق ابن عباس باسم الله الكافي الهادي العالم الصادق ذكر رحمة ربك عبده زكريا بالرحمة‏.‏ ومن قال‏:‏ هو ابتداء السورة، فمعناه اقرأ ‏{‏كهيعص‏}‏ من قال إنه قسم، فمعناه ورب كهيعص إنه ذكر عبده زكريا بالرحمة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا‏}‏، يعني‏:‏ في هذه السورة، ومعناه‏:‏ ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة، ذكره بالرحمة لا يكون إلا بالله تعالى ففي الآية تقديم وتأخير يقول‏:‏ ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة، وهو زكريا بن ماثان ‏{‏إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً‏}‏، يقول‏:‏ دعا ربه نداءً خفياً، يقول‏:‏ أخفاه وأسره من قومه، ويقال‏:‏ دعا ربه دعاء سراً، لأنه علم أن دعاء السر أنفع وأسرع إجابة، ويقال‏:‏ دعا ربه نداءً خفياً يعني‏:‏ خالصاً‏.‏ ‏{‏قَالَ رَبّ إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى‏}‏، أي ضعف عظمي، ‏{‏واشتعل الرأس شَيْباً‏}‏؛ يعني‏:‏ أخذ في الرأس شيباً وبياضاً‏.‏ ‏{‏شِيباً‏}‏ صار نصباً بالتمييز، والمعنى‏:‏ اشتعل الرأس من الشيب، يقال للشيب إذا كثر جداً قد اشتعل رأس فلان بالشيب‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ لم تكن تخيب دعائي عندك إذا دعوتك‏.‏

‏{‏وَإِنّي خِفْتُ الموالى مِن وَرَائِى‏}‏، يعني‏:‏ خشيت، ويقال‏:‏ أعلم الموالي يعني‏:‏ الورثة، ويقال‏:‏ بنو العم، ويقال‏:‏ العصبة من ورائي، يعني‏:‏ من بعد موتي‏.‏ خاف أن يَرِثَهُ غير الولد‏.‏ وروي عن قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «يَرْحَمُ الله تَعَالَى زَكَرِيَّا وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةٍ»‏.‏ وروي عن سعيد بن العاص أنه قال‏:‏ أملى علي عثمان ‏{‏وَإِنّي خِفْتُ الموالى‏}‏ بنصب الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء، ويقال‏:‏ يعني‏:‏ ذهبت الموالي‏.‏

وقال أبو عبيدة‏:‏ لولا خلاف الناس لاتبعنا عثمان فيها‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا‏}‏، يعني‏:‏ عقيماً لم تلد؛ ‏{‏فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ ولداً‏.‏

‏{‏يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ‏}‏‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وهكذا قال الضحاك؛ وقال بعضهم‏:‏ يرثني يعني‏:‏ علمي وسنتي، لأن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون مالاً‏.‏ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إنَّا مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُوَرِّثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ»‏.‏ وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دَرَاهِمَ وَلا دَنَانِيرَ، وَإنَّمَا وَرَّثُوا هذا العِلْمَ» ويقال‏:‏ لأنه رأى من الفتن وغلبة أهل الكفر، فيخاف على إفساد مواليه إن لم يكن أحد يقوم مقامه ويخولهم بالموعظة‏.‏ قرأ أبو عمرو والكسائي‏:‏ ‏{‏يَرِثُنِى وَيَرِثُ‏}‏ بجزم كلا الثاءين على معنى جواب الأمر والشرط، أي أنك إذا وهبت لي ولياً يرثني؛ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏يَرِثُنِى وَيَرِثُ‏}‏ بالضم؛ وقال أبو عبيدة‏:‏ وهذا أحب إلي‏.‏ قال معناه هب لي الذي هذه حاله وصفته، لأن الأولياء قد يكون منهم الوراثة وغيره، فيقول‏:‏ هب لي الذي يكون ورائي وارث النبوة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏واجعله رَبّ رَضِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ صالحاً زكياً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 10‏]‏

‏{‏يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ‏(‏7‏)‏ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ‏(‏8‏)‏ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ‏(‏9‏)‏ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏رَضِيّاً يازكريا إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى‏}‏، يعني‏:‏ أوحى الله تعالى وأرسل إليه جبريل وأن جبريل عليه السلام أدى إليه الرسالة من الله عز وجل‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا نُبَشّرُكَ‏}‏ وقد بيّن ذلك في سورة آل عمران ‏{‏فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى المحراب أَنَّ الله يُبَشِّرُكَ بيحيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصالحين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 39‏]‏‏.‏ ثم قال هنا‏:‏ ‏{‏بغلام اسمه يحيى‏}‏ ‏{‏لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ لم نجعل لزكريا من قبل يحيى ولداً يسمى يحيى، ويقال‏:‏ لم يكن قبله أحد يسمى بذلك الاسم، ويقال‏:‏ لم يكن بذلك الاسم في زمانه أحد وإنما سمي يحيى، لأنه حي بالعلم والحكمة التي أوتيها؛ ويقال‏:‏ لأنه حي به المجالس، ويقال‏:‏ لأنه حيي به عقر أمه، ويقال ‏{‏لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً‏}‏ أي نظيراً ومثالاً‏.‏ قرأ حمزة ‏{‏نُبَشّرُكَ‏}‏ وقرأ الباقون بالتشديد وضم النون ونصب الباء وكسر الشين ‏{‏نُبَشّرُكَ‏}‏‏.‏

فقال زكريا عند ذلك‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبّ‏}‏، يقول‏:‏ يا سيدي ‏{‏أنى يَكُونُ لِي غلام‏}‏، يعني‏:‏ من أين يكون لي ولد‏؟‏ ويقال‏:‏ إنما قال ذلك على وجه الدعاء لله تعالى، فقال‏:‏ يا رب من أين يكون لي ولد‏؟‏ ‏{‏وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا‏}‏ من الولد، ‏{‏وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً‏}‏، يقول‏:‏ تحول العظم مني يابساً، ومنه يقال‏:‏ قلب عات إذا كان قاسي القلب غير لين، ويقال لكل شيء انتهى فقد عتى‏.‏ ولم يكن زكريا شاكّاً في بشارة الله عز وجل، ولكن أحب أن يعلم من أي وجه يكون‏.‏ قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص والكسائي ‏{‏عِتِيّاً‏}‏ بكسر العين وكذلك ‏{‏صِلِيّاً‏}‏ و‏{‏جِثِيّاً‏}‏ ‏{‏وَبُكِيّاً‏}‏ إلا أن عاصماً خالفهما في ‏{‏***بُكِيّاً‏}‏، والباقون كلها بالضم، وكأن أبا عبيدة اختار الضم، لأنه أفصح اللغتين وهي قراءة أبي‏.‏

‏{‏وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ‏}‏ له جبريل عليه السلام ‏{‏كذلك‏}‏، يعني‏:‏ هكذا كما قلت إنك ‏{‏قَدْ بَلَغْتَ مِن *** الكبر عِتِيّاً *** قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ‏}‏ ولكن الله عز وجل ‏{‏قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ‏}‏، يعني‏:‏ خلقه عليَّ يسير ‏{‏وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ‏}‏ يحيى ‏{‏وَلَمْ تَكُ شَيْئاً‏}‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏وَقَدْ‏}‏ بالألف مؤخرة والنون مقدمة والباقون ‏{‏وَقَدْ خَلَقْتُكَ‏}‏ وهو اختيار أبي عبيدة قال زكريا عليه السلام ‏{‏رَبّ اجعل لِّى ءايَةً‏}‏ في الولد‏.‏ روى أسباط، عن السدي قال‏:‏ لما بشر زكريا عليه السلام جاءه الشيطان فقال‏:‏ إن هذا النداء الذي نوديته ليس من الله، وإنما هو من الشيطان ليسخر بك‏.‏ ولو كان من الله عز وجل، لأوحاه إليك كما كان يوحي إليك، ف ‏{‏قَالَ‏}‏ عند ذلك‏:‏ ‏{‏رَبّ اجعل لِّى ءايَةً‏}‏ أعلم بها أن هذا النداء منك‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ الله تعالى له‏:‏ ‏{‏أَلاَّ تُكَلّمَ الناس ثلاث لَيَالٍ سَوِيّاً فَخَرَجَ‏}‏، يعني‏:‏ علامتك أن لا تستطيع أن تكلم الناس ثلاث ليال وأنت صحيح سليم من غير خرس ولا مرض‏.‏ ورجع تلك الليلة إلى امرأته فقربها، ووضع الولد في رحمها؛ فلما أصبح اعتقل لسانه عن كلام الناس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 15‏]‏

‏{‏فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‏(‏11‏)‏ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ‏(‏12‏)‏ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ‏(‏13‏)‏ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ‏(‏14‏)‏ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب‏}‏، أي من المسجد‏.‏ ‏{‏فأوحى إِلَيْهِمْ‏}‏، يعني‏:‏ أشار إليهم وأومأ إليهم، ويقال‏:‏ كتب كتاباً وألقاه على الأرض ولم يقدر أن يتكلم به‏.‏ ‏{‏أَن سَبّحُواْ‏}‏، يعني‏:‏ صلوا لله تعالى ‏{‏بُكْرَةً وَعَشِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ غدوة وعشياً‏.‏ فعرف عند ذلك أنه آية الولد‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَعَشِيّاً يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ‏}‏، يعني‏:‏ أوحى الله تعالى إليه أن‏:‏ ‏{‏وَعَشِيّاً يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ‏}‏، يعني‏:‏ بجد ومواظبة ‏{‏وَاتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ أجرينا الحكمة على لسانه في حال صغره، وذلك أنه مرّ بصبيان يلعبون، فقالوا له‏:‏ تعال حتى نلعب‏.‏ فقال لهم‏:‏ ما للعب خلقنا‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ‏}‏، أي بعد عون من الله تعالى، ويقال بكثرة الدرس‏.‏ ‏{‏ءاتيناه *** الحكم صَبِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ النبوة والفقه والخير كله ‏{‏وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا‏}‏، يعني‏:‏ آتيناه رحمة من عندنا؛ وأصله من حنين الناقة على ولدها ‏{‏وزكواة‏}‏، يعني‏:‏ وصدقة منا، ويقال‏:‏ التطهير، ويقال‏:‏ صلاحاً في دينه‏.‏ وقال سعيد بن جبير الزكاة‏:‏ التزكية‏.‏ ‏{‏وَكَانَ تَقِيّا‏}‏، يعني‏:‏ مطيعاً لربه، ‏{‏وَبَرّا بوالديه‏}‏، يعني‏:‏ مطيعاً لهما ولا يعصيهما‏.‏ ‏{‏وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً‏}‏، يعني‏:‏ لم يكن قتّالاً، والجبار الذي يقتل على الغضب ويضرب على الغضب ‏{‏عَصِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ لم يكن عصياً لربه؛ والعصيّ والعاصي واحد‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وسلام عَلَيْهِ‏}‏، أي السلام من الله عز وجل والسعادة تناله ‏{‏يَوْمَ وُلِدَ‏}‏، أي حين ولد ‏{‏وَيَوْمَ يَمُوتُ‏}‏، يعني‏:‏ حين يموت ‏{‏وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً‏}‏، أي حين يبعث حياً‏.‏ وروى قتادة عن الحسن أن يحيى عليه السلام قال لعيسى عليه السلام حين التقيا‏:‏ أنت خير مني‏.‏ فقال عيسى صلوات الله عليه‏:‏ بل أنت خير مني، سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي‏.‏ وروي عن بعض الصحابة أنه قال‏:‏ ما من الناس أحد إلا وهو يلقى الله عز وجل يوم القيامة ذو ذنب إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام وروي عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «ما أَذْنَبَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَلا هَمّ بِامْرَأةٍ»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 21‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ‏(‏16‏)‏ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ‏(‏17‏)‏ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ‏(‏18‏)‏ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ‏(‏19‏)‏ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ‏(‏20‏)‏ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ‏(‏21‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏واذكر فِى الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت‏}‏، يعني‏:‏ اذكر في القرآن خبر مريم، ومعناه‏:‏ اقرأ عليهم ما أنزل عليك في القرآن من خبر مريم ‏{‏إِذِ انتبذت‏}‏ يعني‏:‏ اعتزلت وتنحت ‏{‏مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً‏}‏، يعني‏:‏ مشرقة الشمس في دار أهلها‏.‏ ‏{‏فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً‏}‏، يعني‏:‏ ضربت وأرخت من دونهم ستراً‏.‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا‏}‏، يعني‏:‏ بعثنا إليها جبريل عليه السلام ‏{‏فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ تشبه لها في صورة شاب تامّ الخلق فدنا منها، فأنكرت مريم مكان الرجل‏.‏ ‏{‏قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ إن كنت مطيعاً لله‏.‏ وإنما قالت ذلك، لأن التقي إذا وعظ بالله عز وجل اتعظ وخاف، والفاسق يخوف بالسلطان، والمنافق يخوف بالناس؛ فالتقيّ يخوف بالله‏.‏ ويقال‏:‏ في الآية مضمر ومعناه احذر إن كنت تقياً‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ لها جبريل‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لاِهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ ولداً صالحاً‏.‏ قرأ أبو عمرو ونافع في إحدى الروايتين ‏{‏أَحْلَلْنَا لَكَ‏}‏ بالياء، وقرأ الباقون ‏{‏لاِهَبَ‏}‏‏.‏ فمن قرأ ‏{‏***لِيَهَبَ‏}‏، فمعناه ليهب الله لك ومن قرأ ‏{‏رَبّكِ لاِهَبَ لَكِ‏}‏ يكون فيه مضمر‏.‏ ومعناه‏:‏ إنما أنا رسول ربك قال‏:‏ ‏{‏لاِهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ قال ربك وهذا اختيار أبي عبيدة، وهو موافق لخط المصاحف‏.‏

‏{‏قَالَتْ‏}‏ مريم لجبريل عليه السلام‏:‏ ‏{‏أنى يَكُونُ لِي غلام‏}‏، يعني‏:‏ من أين يكون لي ولد‏؟‏ ‏{‏وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ‏}‏، يعني‏:‏ لم يقربني زوج، ‏{‏وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً‏}‏؛ يعني‏:‏ لم أك فاجرة‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ لها جبريل‏:‏ ‏{‏كذلك‏}‏، يعني‏:‏ هكذا كما قلت‏.‏ ‏{‏قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ‏}‏، يعني‏:‏ خلقه عليّ يسير، ‏{‏وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ‏}‏؛ يعني‏:‏ عبرة لبني إسرائيل، ‏{‏وَرَحْمَةً مّنَّا‏}‏؛ أي ونعمة منا‏.‏ ‏{‏وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ قضاء كائناً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 26‏]‏

‏{‏فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ‏(‏22‏)‏ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ‏(‏23‏)‏ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ‏(‏24‏)‏ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ‏(‏25‏)‏ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏فَحَمَلَتْهُ‏}‏ يعني‏:‏ حملت مريم بعيسى عليه السلام وقال وهب بن منبه‏:‏ إن مريم حملت بعيسى عليه السلام تسعة أشهر، وقال بعضهم‏:‏ ثمانية أشهر؛ فتلك آية، لأنه لا يعيش مولود في ثمانية أشهر‏.‏ وروي في بعض الروايات، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ ما هي إلا أن حملت ثم وضعت، وقال مقاتل‏:‏ حملت في ساعة ووضعت في ساعة‏.‏ ‏{‏فانتبذت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ انفردت بولادتها مكاناً بعيداً‏.‏ قال القتبي‏:‏ القصيُّ أشد بعداً من القاصي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَأَجَاءهَا المخاض‏}‏، يعني‏:‏ جاء بها وألجأها المخاض، يعني‏:‏ الطلق بولادة عيسى عليه السلام ‏{‏إلى جِذْعِ النخلة‏}‏، أي أصل النخلة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ النخلة اليابسة في شدة الشتاء، يعني‏:‏ الطلق‏.‏ ‏{‏قَالَتْ ياأيها *** لَيْتَنِى ***** مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ شيئاً متروكاً لم أذكر، ويقال للشيء الحقير الذي إذا ألقي ينسى نسيٌ؛ وقال قتادة‏:‏ يعني‏:‏ لا أعرف ولا أدري من أنا؛ وقال عكرمة‏:‏ يعني‏:‏ جيفة ملقاة، وهكذا قال الضحاك؛ وقال ربيعة بن أنس؛ يعني‏:‏ سقطاً‏.‏ قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص ‏{‏وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً‏}‏ بنصب النون والباقون ‏{‏نَسِيّاً‏}‏ بكسر النون، قال أبو عبيد‏:‏ وبالكسر نقرؤها، لأنها كانت أكثر في لغة العرب وأفشاها عليها أهل الحرمين والبصرة‏.‏

‏{‏فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا‏}‏؛ قرأ حمزة والكسائي ونافع وعاصم في رواية حفص ‏{‏مِنْ‏}‏ بالكسر، يعني‏:‏ الملك، وهكذا قرأ مجاهد والحسن، والباقون ‏{‏مِنْ‏}‏ بالنصب يعني به عيسى عليه السلام وقال أبو عبيد‏:‏ بالأولى نقرأ يعني‏:‏ بالكسر، لأن قراءتها أكثر والمعنى فيها أعمّ، لأنه إذا قال‏:‏ ‏{‏مِن تَحْتِهَا‏}‏ فإنما هو عيسى خاصة‏.‏ ‏{‏أَلاَّ تَحْزَنِى‏}‏ بولادة عيسى وبمكان الجدب، ‏{‏قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً‏}‏؛ أي نهراً صغيراً بحبال؛ ويقال‏:‏ ‏{‏قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً‏}‏، أي بيتاً، فذكر هذا القول عند ابن حميد فأنكره وقال‏:‏ هو الجدول‏.‏ ألا ترى أنه قال‏:‏ ‏{‏فَكُلِى واشربى‏}‏‏.‏ قال مجاهد‏:‏ السريّ بالسريانية، وقال سعيد بن جبير‏:‏ بالنبطية‏.‏

‏{‏وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة‏}‏؛ يقول‏:‏ حركي أصل النخلة ‏{‏تساقط عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً‏}‏، أي غضاً طرياً‏.‏ قرأ حمزة ‏{‏تساقط‏}‏ بنصب التاء وتخفيف السين، وأصله تتساقط إلا أنه حذفت منه إحدى التاءين للتخفيف وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الارض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 42‏]‏ وأصله تتسوى، وكقوله ‏{‏ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن ديارهم تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏

‏[‏البقرة‏:‏ 85‏]‏، وكقوله ‏{‏تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الارض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 90‏]‏ وقرأ عاصم في رواية حفص ‏{‏تساقط‏}‏ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف يعني‏:‏ أن النخلة تساقط عليك، وقرأ الباقون بالنصب وتشديد السين ونصب القاف، لأن التشديد أقيم مقام التاء التي حذفت‏.‏ وروي عن البراء بن عازب أنه كان يقرأ ‏{‏***يُسَاقِط‏}‏ بالياء يعني‏:‏ أن الجذع يساقط عليك، وقرأ بعضهم‏:‏ ‏{‏***نُسَاقِطُ‏}‏ بالنون ومعناه ونحن نساقط عليك، وروي أنها كانت نخلة بلا رأس وكان ذلك في الشتاء، فجعل الله تعالى لها رأساً وأنبت فيها رطباً، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏النخلة تساقط عَلَيْكِ رُطَباً‏}‏ أي غضاً طرياً‏.‏

قيل لها‏:‏ ‏{‏فَكُلِى‏}‏ من الرطب، ‏{‏واشربى‏}‏ من النهر، ‏{‏وَقَرّى عَيْناً‏}‏؛ أي طيبي نفساً بولادة عيسى‏.‏ وقال الربيع بن خيثم ما للنفساء عندي دواء إلا الرطب ولا للمريض إلا العسل‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً‏}‏، يعني‏:‏ إن رأيت أحداً من الناس، ‏{‏فَقُولِى‏}‏ إن سألك أحد شيئاً فقولي‏:‏ ‏{‏إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً‏}‏، يعني‏:‏ صمتاً‏.‏ وروي عن ابن عباس في بعض الروايات أنه كان يقرأ ‏{‏إِنّى نَذَرْتُ للرحمن‏}‏‏.‏ ‏{‏صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ اليوم إِنسِيّاً‏}‏؛ يعني‏:‏ قولي ذلك بالإشارة لا بالقول، وكان المتقدمون يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 33‏]‏

‏{‏فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ‏(‏27‏)‏ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ‏(‏28‏)‏ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ‏(‏29‏)‏ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ‏(‏30‏)‏ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ‏(‏31‏)‏ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ‏(‏32‏)‏ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا‏}‏؛ وذلك أن مريم حملت عيسى عليه السلام ودخلت على أهلها، وكان أهلها أهل بيت صالحين‏.‏ ‏{‏قَالُواْ‏}‏ لها أي قومها‏:‏ ‏{‏قَالُواْ يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ أتيت وفعلت أمراً عظيماً منكراً، لا يعرف منك ولا من أهل بيتك ‏{‏فَأَرْسِلْ إلى هارون‏}‏، يعني‏:‏ هارون بن ماثان، وكان من أمثل بني إسرائيل ‏{‏فَأَرْسِلْ إلى هارون‏}‏، يعني‏:‏ يا شبه هارون في الصلاة والصلاح، ويقال‏:‏ كان رجل سوء يسمى هارون فعيّروها به وشبهوها بهارون، ويقال‏:‏ كان لها أخ يقال له هارون من أبيها ولم يكن من أمها، وذكر أن أهل الكتاب قالوا‏:‏ كيف تقولون إن مريم أخت هارون وكان بينهما ستمائة سنة‏؟‏ فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «إنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ» يعني‏:‏ أن أخا مريم سُمِّي باسم هارون النبي عليه السلام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء‏}‏، يعني‏:‏ زانياً ‏{‏وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ فاجرة‏.‏

‏{‏فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ‏}‏، يعني‏:‏ أشارت إلى عيسى عليه السلام أن كلموه، يعني‏:‏ كلموا عيسى‏.‏ ‏{‏قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى المهد صَبِيّاً‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ من هو في الحجر وهو رضيع‏.‏ ويقال‏:‏ معناه كيف نكلم من هو يكون في المهد‏؟‏ ويقال‏:‏ معناه كيف نكلم من يكون في المهد صبياً‏؟‏ فأنطق الله تعالى عيسى، فتكلم و‏{‏قَالَ إِنّى عَبْدُ الله‏}‏، فأول الكلام الذي تكلم به ردّ على النصارى، لأنه أقر بأنه عبد الله ورسوله‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏الكتاب وَجَعَلَنِى‏}‏؛ روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ معناه علمني الكتاب في بطن أمي، ويقال‏:‏ معناه يؤتيني الكتاب وهو الإنجيل، ‏{‏وَجَعَلَنِى نَبِيّاً‏}‏؛ أي أكرمني الله تعالى بأن جعلني نبياً، ‏{‏وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً‏}‏؛ يعني‏:‏ جعلني معلماً للخلق ‏{‏أَيْنَمَا * كُنتُ‏}‏، يعني‏:‏ حيث ما كنت، ‏{‏وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ‏}‏؛ يعني‏:‏ أوصاني وأمرني بإتمام الصلاة وإعطاء الزكاة ‏{‏مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِى‏}‏، يعني‏:‏ جعلني رحيماً بوالدتي، ‏{‏وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً‏}‏؛ يعني‏:‏ لم يخذلني حتى صرت به جباراً عصياً‏.‏ ‏{‏والسلام عَلَىَّ‏}‏؛ يعني‏:‏ السلام عليَّ من الله تعالى ‏{‏يَوْمَ وُلِدْتُّ‏}‏ يعني‏:‏ حين ولدت، ‏{‏وَيَوْمَ أَمُوتُ‏}‏؛ يعني‏:‏ حين أموت، ‏{‏وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً‏}‏؛ يعني‏:‏ أبعث يوم القيامة‏.‏ فكلمهم بهذا ثمّ سكت، فلم يتكلم حتى كان قدر ما يتكلم الغلمان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 39‏]‏

‏{‏ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ‏(‏34‏)‏ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏35‏)‏ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏36‏)‏ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏37‏)‏ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏38‏)‏ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏39‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ‏}‏، أي ذلك الذي قال إني عبد الله، عيسى ابن مريم، لا ما يقول النصارى إنه إله‏.‏ ‏{‏قَوْلَ الحق‏}‏، يعني‏:‏ خبر الصدق‏.‏ قرأ عاصم وابن عامر ‏{‏قَوْلَ‏}‏ بنصب اللام، والباقون بالضم؛ فمن قرأ بالنصب فمعناه أقول الحق، ومن قرأ بالضم معناه وهو قول الحق‏.‏ ‏{‏الذى فِيهِ يَمْتُرُونَ‏}‏، يعني‏:‏ يشكون في عيسى عليه السّلام ويختلفون فيما بينهم‏.‏

ثم كذبهم في قولهم فقال‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ‏}‏، يعني‏:‏ عيسى‏.‏ ثم نزّه عن الولد فقال‏:‏ ‏{‏سبحانه إِذَا قضى أَمْراً‏}‏، يعني‏:‏ إذا أراد أن يخلق خلقاً مثل عيسى، ‏{‏فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏، قرأ ابن عامر ‏{‏فَيَكُونُ‏}‏ بالنصب، وقرأ الباقون بالضم، وقرأ بعضهم‏:‏ ‏{‏تَمْتَرُونَ‏}‏ بالتاء على وجه المخاطبة، وقراءة العامة بالياء لأنها ليست فيها مخاطبة‏.‏ ‏{‏وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ‏}‏؛ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ‏{‏رَبُّكُمْ‏}‏ بالنصب على معنى البناء، والباقون ‏{‏وَأَنَّ الله‏}‏ بالكسر على معنى الابتداء وهي قراءة أبي عبيدة؛ وفي قراءة أبيّ ‏{‏إِنَّ الله‏}‏ بغير واو فتكون قراءته شاهدة على الكسر‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فاعبدوه‏}‏، يعني‏:‏ وحدوه وأطيعوه‏.‏ ‏{‏هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ‏}‏، يعني‏:‏ هذا الإسلام طريق مستقيم‏.‏

‏{‏فاختلف الاحزاب مِن بَيْنِهِمْ‏}‏، يعني‏:‏ الكفار من أهل النصارى من بينهم، يعني‏:‏ بينهم في عيسى وتفرقوا ثلاثة فرق‏:‏ قالت النسطورية‏:‏ عيسى ابن الله، واليعقوبية قالوا‏:‏ إن الله هو المسيح، والملكانية قالوا‏:‏ إن الله ثالث ثلاثة‏.‏ ‏{‏فَوَيْلٌ‏}‏، يعني‏:‏ الشدة من العذاب ‏{‏لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏، يعني‏:‏ من عذاب يوم القيامة، بأن عيسى لم يكن الله ولا ولده ولا شريكه، ويقال‏:‏ ويل صخرة في جهنم‏.‏

‏{‏أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لكن الظالمون‏}‏، أي المشركون‏.‏ ‏{‏اليوم‏}‏، يعني‏:‏ في الدنيا ‏{‏فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏، أي في خطأ بيّن لا يسمعون الهدى ولا يبصرون ولا يرغبون فيه‏.‏ ‏{‏وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة‏}‏، يقول‏:‏ وأنذرهم يا محمد أي خوفهم بهول يوم القيامة، ‏{‏إِذْ قُضِىَ الامر‏}‏؛ يعني‏:‏ فرغ من الأمر إذا دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار، وهو يوم القيامة‏.‏ ‏{‏وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ‏}‏، يعني‏:‏ هم في الدنيا في غفلة من تلك الندامة والحسرة‏.‏ ‏{‏وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏، يعني‏:‏ لا يصدقون بالبعث‏.‏

قال‏:‏ حدثنا محمد بن الفضل قال‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن يوسف قال‏:‏ حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عن محمد بن عمرو، عن أبي مسلمة، عن الزهري، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «يَؤْتَى بِالمَوْتِ فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيُقَالُ‏:‏ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيطلعُونَ‏.‏ وَيُقَالُ‏:‏ يا أهْلَ النَّارِ، فيطلعونَ‏.‏ فيقالُ‏:‏ هَلْ تَعْرِفُونَ هذا‏؟‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ نَعَم يَا رَبَّنَا، هَذا المَوْتُ‏.‏ قال‏:‏ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ على الصَّرَاطِ، ثم يقالُ‏:‏ للفريقينِ‏.‏ خُلُودٌ لا مَوْتَ فِيهَا أبداً»‏.‏ وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة إِذْ قُضِىَ الامر‏}‏ الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 47‏]‏

‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ‏(‏40‏)‏ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ‏(‏41‏)‏ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ‏(‏42‏)‏ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ‏(‏43‏)‏ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ‏(‏44‏)‏ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ‏(‏45‏)‏ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ‏(‏46‏)‏ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ‏(‏47‏)‏‏}‏

نَحْنُ نَرِثُ الارض وَمَنْ عَلَيْهَا‏}‏، يعني‏:‏ نميت أهل الأرض كلهم ومن عليها، ‏{‏وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ‏}‏ في الآخرة‏.‏ ‏{‏واذكر فِى الكتاب إبراهيم‏}‏، يعني‏:‏ خبر إبراهيم‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ صادقاً‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الصديق اسم للمبالغة في الصدق، يقال‏:‏ كل من صدق بتوحيد الله عز وجل وأنبيائه عليهم السلام وفرائضه وعمل بما صدق فيه فهو صديق، ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق‏.‏ ‏{‏إِذْ قَالَ لاِبِيهِ‏}‏، وهو آزر بن تارخ بن تاخور وكان يعبد الأصنام‏:‏ ‏{‏لاِبِيهِ ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ‏}‏ دعاءك ‏{‏وَلاَ يَبْصِرُ‏}‏ عبادتك ‏{‏وَلاَ يُغْنِى عَنكَ‏}‏ من عذاب الله عز وجل ‏{‏شَيْئاً‏}‏؛ قرأ ابن عامر‏:‏ ‏{‏***يَا أَبَتَ‏}‏ بالنصب، والباقون بالكسر، وكذلك ما بعده‏.‏ والعرب تقول في النداء‏:‏ يا أبت ولا تقول يا أبتي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏شَيْئاً ياأبت إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ العلم‏}‏ من الله تعالى من البيان، ‏{‏مَا لَمْ يَأْتِكَ‏}‏ أنه من عند غير الله، عذبه الله في الآخرة بالنار‏.‏ ‏{‏فاتبعنى‏}‏، يعني‏:‏ أطعني فيما أدعوك، ويقال‏:‏ اتبع دين الله؛ ‏{‏أَهْدِكَ‏}‏، يعني‏:‏ أرشدك ‏{‏صِرَاطاً سَوِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ طريقاً عدلاً قائماً ترضاه‏.‏ ‏{‏سَوِيّاً ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان‏}‏، يعني‏:‏ لا تطع الشيطان، فمن أطاع شيئاً فقد عبده‏.‏ ‏{‏إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ عاصياً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏عَصِيّاً ياأبت إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ‏}‏، يعني‏:‏ أعلم أن يمسك ‏{‏عَذَابِ‏}‏، إن أقمت على كفرك يصيبك عذاب‏.‏ ‏{‏مّنَ الرحمن‏}‏، ‏{‏فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً‏}‏؛ يعني‏:‏ قريناً في النار‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ له أبوه‏:‏ ‏{‏أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى‏}‏، يعني‏:‏ أتارك أنت عبادة آلهتي‏؟‏ ‏{‏الِهَتِى ياإبراهيم لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لارْجُمَنَّكَ‏}‏، يقول‏:‏ إن لم تنته عن مقالتك ولم ترجع عنها، لأسبنك وأشتمنك‏.‏ وكل شيء في القرآن من الرجم فهو القتل غير ها هنا، فإن هاهنا المراد به السبُّ والشتم‏.‏ ‏{‏واهجرنى مَلِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ تباعد عني حيناً طويلاً ولا تكلمني؛ وقال السدي‏:‏ ‏{‏مَلِيّاً‏}‏ تعني أبداً، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏واهجرنى مَلِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ تباعد عني سالماً؛ ويقال‏:‏ لا تُكلِّمني دهراً طويلاً‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ إبراهيم‏:‏ ‏{‏سلام عَلَيْكَ‏}‏، يعني‏:‏ أكرمك الله بالهدى؛ ‏{‏سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي‏}‏، يعني‏:‏ سأدعو لك ربي‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ باراً عوّدني الإجابة إذا دعوته، ويقال‏:‏ تحفَّيتُ بالرجل إذا بالغتُ في إكرامه، وهذا قول القتبي، ويقال‏:‏ ‏{‏حَفِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ عالماً يستجيب لي إذا دعوته، وكان يستغفر له ما دام أبوه حياً؛ فلما مات كافراً، ترك الاستغفار له وكان يرجو أن يهديه الله عز وجل‏.‏ قوله عز وجل‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 55‏]‏

‏{‏وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ‏(‏48‏)‏ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ‏(‏49‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ‏(‏50‏)‏ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ‏(‏51‏)‏ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ‏(‏52‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ‏(‏53‏)‏ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ‏(‏54‏)‏ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ‏(‏55‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَعْتَزِلُكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ وأترككم ‏{‏وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله‏}‏، يعني‏:‏ أترك عبادة ما تعبدون من دون الله عز وجل، ‏{‏وَأَدْعُو رَبّى عَسَى * أَن لا ****أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا‏}‏؛ يعني‏:‏ لا يخيبني إذا دعوته، فهاجر إلى بيت المقدس‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ‏}‏، يعني‏:‏ أكرمناه بالولد وهو إسحاق وولد الولد وهو يعقوب‏.‏ وقال بعض الحكماء‏:‏ من هاجر في طلب رضاء الله عز وجل، أكرمه الله عز وجل في الدنيا والآخرة؛ كما أن إبراهيم هاجر من قومه في طلب رضى الله تعالى عنه، فأكرمه الله تعالى بإسحاق ويعقوب عليهما السلام والثناء العمل الصالح‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أكرمناهم بالنبوة، ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا‏}‏؛ يعني‏:‏ من نعمتنا المال والولد في الدنيا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «نِعْمَ المالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِح»‏.‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ أكرمناهم بالثناء الحسن، وكل أهل دين يقولون دين إبراهيم بزعمهم‏.‏

‏{‏واذكر فِى الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً‏}‏، يعني‏:‏ أخلصه الله عز وجل، ويقال‏:‏ ‏{‏مُخْلِصاً‏}‏ يعني‏:‏ جعله الله مختاراً خالصاً‏.‏ قرأ حمزة والكسائي وعاصم بنصب اللام يعني‏:‏ أخلصه الله عز وجل ويقال‏:‏ مخلصاً من الكفر والمعاصي وقرأ الباقون ‏{‏مُخْلِصاً‏}‏ بالكسر يعني‏:‏ مخلصاً في العمل‏.‏ ‏{‏وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً‏}‏ إلى بني إسرائيل، ‏{‏وناديناه مِن جَانِبِ الطور الايمن‏}‏، يعني‏:‏ من يمين موسى ولم يكن للجبل يمين ولا شمال ‏{‏وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً‏}‏، أي كلمناه بلا وحي؛ وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً‏}‏ وقربناه حتى سمع صرير القلم في اللوح، وقال السدي‏:‏ أدخل في السماء الدنيا وكلم، وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً‏}‏ مناجياً‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا‏}‏ من نعمتنا ‏{‏أَخَاهُ هارون نَبِيّاً‏}‏، فكان معه وزيراً معيناً‏.‏

‏{‏واذكر فِى الكتاب إسماعيل‏}‏، يعني‏:‏ اذكر في القرآن خبر إسماعيل‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد‏}‏، إذا وعد أنجز‏.‏ قال مقاتل‏:‏ إن إسماعيل وعد رجلاً أنْ ينتظره، فقام مكانه ثلاثة أيام للميعاد، حتى رجع الرجل إليه؛ وقال في رواية الكلبي‏:‏ كان ميعادُه الذي وعد فيه صاحبه انتظره حتى حال الحول، وقال مجاهد‏:‏ إنه كان صادق الوعد، يعني‏:‏ لم يعد شيئاً إلا وفى به‏.‏ ‏{‏وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ كان رسولاً إلى قومه، نبياً يُخبر عن الله عز وجل‏.‏ ‏{‏وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ‏}‏، يعني‏:‏ أهل دينه وقومه ‏{‏وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً‏}‏، يعني‏:‏ بإتمام الصلاة وإيتاء الزكاة‏.‏ ‏{‏وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ صالحاً ذكياً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 58‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ‏(‏56‏)‏ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ‏(‏57‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ‏(‏58‏)‏‏}‏

‏{‏واذكر فِى الكتاب إِدْرِيسَ‏}‏، يعني‏:‏ خبر إدريس‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ صادقاً يُخبر عن الله عز وجل، وذكر عن وهب بن منبه أنه قال‏:‏ إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب الله عز وجل والسنن، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من لبس ثوب القطن؛ وكانوا من قبل ذلك يلبسون جلود الضأن، واسمه أخنوخ ويقال إلياس‏.‏ ‏{‏وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ الجنة؛ وقال مجاهد‏:‏ يعني‏:‏ في السماء الرابعة‏.‏ قال‏:‏ أخبرني الثقة بإسناده، عن ابن عباس أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب‏:‏ إن إدريس كان رجلاً خياطاً، وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذكر الله عز وجل، وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين‏.‏ فأتاه ملك من الملائكة يقال له إسرافيل، فبشره بالجنة وقال له‏:‏ هل لك من حاجة‏؟‏ قال‏:‏ وددت أني أعلم إلى متى أجلي فأزداد خيراً‏.‏ فقال له‏:‏ ما أعلمه، ولكن إن شئت حملتك إلى السماء‏.‏ قال‏:‏ فحمله إلى السماء، فلقي ملك الموت، فسأله عن أجله، ففتح كتاباً معه فقال‏:‏ لم يبق من أجلك إلا ست ساعات أو سبع ساعات، وقال‏:‏ أُمرتُ أن أقبض نفسك هاهنا، فقبض نفسه في السماء، فذلك رفع مكانه‏.‏

وروى الكلبي، عن زيد بن أسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إن إدريس جد أبي نوح؛ وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً، فكان يصعد لإدريس من العمل ما كان يصعد لجميع بني آدم، فأحبه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى في خلته، قال‏:‏ فأذن له‏.‏ قال‏:‏ فهبط إليه في صورة غير صورته، على صورة آدمي لكيلا يعرفه فقال‏:‏ يا إدريس إني أحب أن أصحبك وأكون معك‏.‏ فقال له إدريس‏:‏ إنك لا تطيق ذلك‏.‏ قال‏:‏ أنا أرجو أن يقويني الله عز وجل على ذلك، فكان معه يصحبه‏.‏ وكان إدريس يسيح النهار كله صائماً؛ فإذا جنّه الليل أتاه رزقه حيث يمسي، فيفطر عليه ثم يحيي الليل كله‏.‏ فساحا النهار كله صائمين، حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه فأكله ودعا الآخر، فقال‏:‏ لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه، فيطعم إدريس ثم يستقبلا الليل بالصلاة‏.‏ فإدريس تناله السآمة والفترة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس يتعجب منه ثم أصبحا صائمين فساحا، حتى إذا جنهما الليل أتى إدريس رزقه فجعل يطعم ودعا الآخر فقال‏:‏ لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه فيطعم‏.‏

ثم استقبلا الليل كله فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس يتعجب منه ثم أصبحا اليوم الثالث صائمين، فساحا فمرا على كرم قد أينع وطاب فقال‏:‏ يا إدريس لو أنا أخذنا من هذا الكرم فأكلنا‏.‏ فقال إدريس‏:‏ ما أرى صاحبه فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن‏.‏ قال‏:‏ فمضيا حتى مرا على غنم فقال‏:‏ يا إدريس لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها فقال له إدريس‏:‏ إنك معي منذ ثلاثة أيام، فلو كنت آدمياً لطعمت؛ وإني لأدعوك كل ليلة إلى الحلال فتأبى علي، فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذه‏؟‏ فبصحبة ما بيني وبينك إلا ما أنبأتني من أنت‏.‏ قال‏:‏ إنك ستعلم‏.‏ قال‏:‏ أخبرني من أنت‏؟‏ قال‏:‏ أنا ملك الموت‏.‏ ففزع حين قال أنا ملك الموت‏.‏

قال‏:‏ فإني أسألك حاجة‏.‏ قال‏:‏ ما هي قال‏:‏ أن تذيقني الموت‏.‏ قال‏:‏ ما لي من ذلك شيء وليس لك بد من أن تذوقه‏.‏ قال‏:‏ فإنه قد بلغني عنه شدة؛ ولعلي أعلم ما شدته، فأكون له أشد استعداداً‏.‏ قال‏:‏ فأوحى الله عز وجل إلى ملك الموت أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله‏.‏ قال‏:‏ فقبض نفسه ساعة ثم أرسله، فقال‏:‏ كيف رأيت‏؟‏ قال‏:‏ لقد بلغني عنه شدة فلقد كان أشد مما بلغني عنه‏.‏

قال‏:‏ فإني أسألك حاجة أُخرى‏.‏ قال‏:‏ ما هي‏؟‏ قال‏:‏ أحب أن تُريني النار‏.‏ قال‏:‏ ما لي من ذلك شيء، ولكن سأطلب لك، فإن قدرت عليه فعلت‏.‏ فسأل ربه، فأمره فبسط جناحه فحمله عليه، حتى صعد به إلى السماء فانتهى به إلى باب من أبواب النار فدقه فقيل‏:‏ من هذا‏؟‏ فقال‏:‏ ملك الموت‏.‏ فقال‏:‏ مرحباً بأمين الله عز وجل، فهل أمرت فينا بشيء‏؟‏ فقال‏:‏ لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه النار، فأحب أن تروها إياه‏.‏ ففُتح منها بشيء، فجاءت بأمر عظيم، فخرّ إدريس مغشياً عليه؛ فحمله ملك الموت وحبسه في ناحية حتى أفاق فقال له ملك الموت؛ ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي، ولكن سألتني فأحببت أن أسعفك‏.‏

قال‏:‏ فإني أسألك حاجة أخرى، لا أسألك غيرها‏.‏ قال‏:‏ ما هي‏؟‏ قال‏:‏ أحب أن تريني الجنة‏.‏ قال‏:‏ ما لي من ذلك شيء، ولكن سأطلب لك فإن قدرت عليه فعلت‏.‏ فانطلق به إلى خزنة الجنة، فدق باباً من أبوابها فقيل‏:‏ من هذا‏؟‏ فقال‏:‏ أنا ملك الموت‏.‏ فقالوا‏:‏ مرحباً بأمين الله عز وجل، هل أمرت فينا بشيء‏؟‏ فقال‏:‏ لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه‏.‏ قال‏:‏ ففتح له الباب فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط، فطاف فيها ساعة ثم قال له ملك الموت‏:‏ انطلق بنا فلنخرج‏.‏ فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال‏:‏ والله لا أخرج، حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني‏.‏ فقال ملك الموت‏:‏ إنه ليس حينها ولا زمانها، ولكن طلبت إليهم لترى، فانطلق بنا‏.‏ فأبى عليه فقبض الله ملكاً من الملائكة فقال له ملك الموت‏:‏ اجعل هذا الملك حكماً بيني وبينك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال الملك‏:‏ ما هو يا ملك الموت‏؟‏ فأخبره بالقصة، ثم نظر الملك إلى إدريس قال‏:‏ ما تقول يا إدريس‏؟‏ قال‏:‏ أقول إن الله يقول‏:‏ ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 185‏]‏ ويقول‏:‏ ‏{‏وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 71‏]‏ وقد وردتها وقال لأهل الجنة‏:‏ ‏{‏لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 48‏]‏‏.‏ فوالله لا أخرج منها حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني‏.‏ قال‏:‏ فسمع هاتفاً يقول‏:‏ بإذني دخل وبإذني فعل فخل سبيله، فذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً‏}‏»

أي الجنة؛ ويقال‏:‏ ورفعناه في القدر والمنزلة، ويقال‏:‏ ورفعناه في النبوة والعلم‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏، يعني‏:‏ إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس وسائر الأنبياء ‏{‏الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين مِن ذُرّيَّةِ *** ءادَمَ **وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ‏}‏ من سائر الأنبياء وهم ولد نوح إلا إدريس، يعني‏:‏ حملناهم على السفينة وهم في صلب نوح وأولاده، ‏{‏وَمِن ذُرّيَّةِ إبراهيم وإسراءيل‏}‏ وهو يعقوب؛ ‏{‏وَمِمَّنْ هَدَيْنَا‏}‏ يعني‏:‏ أكرمنا بالنبوة، ويقال‏:‏ أكرمنا بالإسلام، ‏{‏واجتبينا‏}‏؛ يعني‏:‏ واصطفينا بعد هؤلاء‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم‏}‏، يعني‏:‏ القرآن، ‏{‏خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً‏}‏؛ يعني‏:‏ يسجدون ويبكون من خوف الله عز وجل‏.‏ بكيّ‏:‏ جمع باكي‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏سُجَّداً وَبُكِيّاً‏}‏ منصوب على الحال، وقال بعضهم‏:‏ ‏{‏***بُكِياً‏}‏ مصدر بكى يبكي بكياً، وقال الزجاج‏:‏ من قال مصدر فهو خطأ، لأن ‏{‏لِلاْذْقَانِ سُجَّدًا‏}‏ جمع ساجد ‏{‏وَبُكِيّاً‏}‏ عطف عليه فهو جمع باك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 64‏]‏

‏{‏فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ‏(‏59‏)‏ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ‏(‏60‏)‏ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ‏(‏61‏)‏ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‏(‏62‏)‏ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ‏(‏63‏)‏ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ‏(‏64‏)‏‏}‏

‏{‏فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ‏}‏ يعني‏:‏ بقي بعد الأنبياء الذين ذكرناهم من أول السورة إلى هنا بقيات سوء، وهم اليهود والنصارى‏.‏ يقال‏:‏ في الرداءة خَلْفٌ بإسكان اللام وفي الصلاح خَلَفَ بفتح اللام‏.‏ ثم وصفهم فقال‏:‏ ‏{‏فَخَلَفَ مِن‏}‏، يعني‏:‏ عن وقتها، ويقال‏:‏ تركوها، ويقال‏:‏ تركوا الصلاة فلم يؤدُّوها وجحدوا بها فكفروا، ‏{‏واتبعوا الشهوات‏}‏؛ يعني‏:‏ وشربوا الخمر، ويقال‏:‏ استحلوا الزنى، ويقال‏:‏ استحلوا نكاح الأخت من الأب‏.‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً‏}‏، يعني‏:‏ شراً، ويقال‏:‏ وادي في جهنم يسمى غَيّاً، ويقال‏:‏ مجازاة الغيّ كما قال الله عز وجل ‏{‏والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 68‏]‏ أي مجازاة الآثام‏.‏

ثم استثنى فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَن تَابَ‏}‏، يعني‏:‏ رجع عن الكفر ‏{‏وَامَنَ‏}‏، يعني‏:‏ صدق بتوحيد الله عز وجل، ‏{‏وَعَمِلَ صالحا‏}‏ بعد التوبة‏.‏ ‏{‏فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً‏}‏، يعني‏:‏ لا ينقصون شيئاً من ثواب أعمالهم‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏جنات عَدْنٍ‏}‏ صار خفضاً، لأن معناه يدخلون في جنات عَدْنٍ‏.‏ ‏{‏التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب‏}‏، يعني‏:‏ ما غاب عن العباد والله عز وجل لا يغيب عنه شيء‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ جائياً كائناً وقال القتبي‏:‏ ‏{‏مَأْتِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ المفعول بمعنى الفاعل، يعني‏:‏ جائياً؛ وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏مَأْتِيّاً‏}‏ مفعول من الإتيان، لأن كل من وصل إليك فقد وصلت إليه وكل من أتاك فقد أتيته‏.‏

‏{‏لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا‏}‏، يعني‏:‏ في الجنة ‏{‏لَغْواً‏}‏، يعني‏:‏ حَلفاً وباطلاً‏.‏ ‏{‏إِلاَّ سلاما‏}‏، يعني‏:‏ ويسمعون السلام يسلم بعضهم على بعض‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ اللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، والسلام اسم جامع للخير لأنه يتضمن السلامة، يعني‏:‏ لا يسمعون إلا سلامهم‏.‏ ‏{‏وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً‏}‏، يعني‏:‏ طعامهم على مقدار البكرة والعشي، وليس هناك بُكرة ولا عشيّ‏.‏ وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال‏:‏ كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبهم ذلك، فأخبرهم الله تعالى أن لهم في الجنة هذه الحالة؛ وقال القتبي‏:‏ الناس يختلفون في مطاعمهم، فمنهم من يأكل وجبة أي مرة واحدة في كل يوم، ومنهم من يأكل متى وجد بغير وقت ولا عداد، ومنهم من يأكل الغداء والعشاء‏.‏ فأعدل هذه الأحوال كلها وأنفعها الغداء والعشاء‏.‏ والعرب تقول‏:‏ عن ترك العشاء مهرمة، ويذهب بلحم الكارة، يعني‏:‏ باطن الفخذ، فجعل طعام أهل الجنة على قدر ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 70‏]‏

‏{‏رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ‏(‏65‏)‏ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ‏(‏66‏)‏ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ‏(‏67‏)‏ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ‏(‏68‏)‏ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ‏(‏69‏)‏ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ‏(‏70‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الجنة التى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ مطيعاً لله عز وجل‏.‏ ‏{‏وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ‏}‏ وذلك حين أبطأ عليه الوحي، وعند سؤال أهل مكة عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وأمر الروح عاتب المصطفى جبريل، فقال الله تعالى‏:‏ قل يا جبريل لمحمد ومعناه‏:‏ قل‏:‏ ‏{‏وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ‏}‏ ‏{‏لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا‏}‏ من أمر الآخرة ‏{‏وَمَا خَلْفَنَا‏}‏ من أمر الدنيا ‏{‏وَمَا بَيْنَ ذلك‏}‏ أي ما بين النفختين ‏{‏وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ لم يكن ينساك ربك حيث لم يوح إليك، ويقال‏:‏ ‏{‏مَا بَيْنَ أَيْدِينَا‏}‏ من أمر الآخرة والثواب والعقاب ‏{‏وَمَا خَلْفَنَا‏}‏ جميع ما مضى من أمر الدنيا ‏{‏وَمَا بَيْنَ ذلك‏}‏ ما يكون في هذا الوقت منا‏.‏ ‏{‏وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً‏}‏ أي قد علم الله عز وجل ما كان وما يكون وما هو كائن حافظ لذلك، ويقال‏:‏ ما نسيك ربك وإن تأخر عنك الوحي‏.‏ وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل‏:‏ «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَر مِمّا تَزُورُنَا» فنزلت هذه الآية‏.‏

ثم قال ‏{‏رَبّ * السموات والارض‏}‏ أي‏:‏ خالق السموات وخالق الأرض ‏{‏وَمَا بَيْنَهُمَا‏}‏ من الخلق، ويقال‏:‏ ‏{‏رَبّ * السموات والارض‏}‏ أي مالكهما وعالم بهما وما فيهما‏.‏ ‏{‏فاعبده‏}‏ أي‏:‏ أطعه ‏{‏واصطبر لِعِبَادَتِهِ‏}‏ يعني‏:‏ احبس نفسك على عبادته ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ هل تعلم أحداً يسمى الله سوى الله وهل تعلم أحداً يسمى الرحمن سواه، ويقال هل تعلم أحداً يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون‏.‏

‏{‏وَيَقُولُ الإنسان‏}‏ يعني‏:‏ أبي بن خلف ‏{‏أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً‏}‏ للبعث على معنى الاستفهام، قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَوْ لاَ *** يَذْكُرُ إلإنسان‏}‏ يعني أو لا يتعظ ويعتبر ‏{‏أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً‏}‏ قرأ‏:‏ نافع وعاصم وابن عامر ‏{‏أَوْ لاَ * يُذْكَرِ‏}‏ بجزم الذال مع التخفيف يعني أو لا يعلم والباقون ‏{‏أَوْ لاَ * يُذْكَرِ‏}‏، بنصب الذال والتشديد ثم قال ‏{‏فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ‏}‏ أقسم الرب بنفسه ليبعثنهم وليجمعنهم يعني الذين أنكروا البعث‏.‏ ‏{‏والشياطين‏}‏ يعني الشياطين ‏{‏ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لنجمعنهم ‏{‏حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ جميعاً‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ الجثيُّ جمع جَاثِي مثل بارِك وبرك وساجد وسجد وقاعد وقعد، أي على ركبهم، ولا يقدرون على القيام‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الأصل في الجسم، وجاز كسرها إتباعاً لكسر التاء وهو نصب على الحال ‏{‏ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ لنخرجن من كل شيعة من أهل كل دين ‏{‏أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ جرأة على الله عز وجل، وهم القادة في الكفر وساداتهم، نبدأ بهم فنعذبهم في النار‏.‏ وروي عن سفيان عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص في قوله ‏{‏أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً‏}‏ قال‏:‏ يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً‏}‏ أي‏:‏ أحق بالنار دخولاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 72‏]‏

‏{‏وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ‏(‏71‏)‏ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ‏(‏72‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا‏}‏ قال بعضهم‏:‏ أي داخلها، المؤمن والكافر يدخلون على الصراط، وهو ممدود على متن جهنم، ويقال‏:‏ ‏{‏وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا‏}‏ يعني الكفار الذين تقدم ذكرهم‏.‏

وروى سفيان عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد أن نافع بن الأزرق خاصم ابن عباس وقال‏:‏ لا يردها مؤمن، فقال ابن عباس‏:‏ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر بماذا نخرج منها إن خرجنا‏.‏

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال‏:‏ يرد الناس جميعاً الصراط وورودهم قيامهم حول النار ثم يمرون على الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى أن آخرهم مثل رجل نوره على إبهامي قدميه، ثم يتكفأ به الصراط، والصراط دحض مزلة كحدّ السيف عليه حسك كحسك العتاد، وحافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس، فبين مارٍ ناج، وبين مخدوش مكدوش في النار، والملائكة عليهم السلام يقولون‏:‏ ربِّ سلِّم سلِّم‏.‏

وروى سفيان عن ثور بن خالد بن معدان قال‏:‏ إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا‏:‏ أَلَمْ يَعِدْنا رَبُّنَا أَنَّا نَرِدُ النَّارَ‏؟‏ قال‏:‏ إنكم قد مررتم بها وهي خامدة، فذلك قوله عز وجل ‏{‏وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا‏}‏ يعني‏:‏ الخلائق على الصرط، والصراط في جهنم ‏{‏كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً‏}‏ يعني قضاء واجباً‏.‏

قال‏:‏ حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مندوست قال‏:‏ حدثنا فارس بن مردويه قال‏:‏ حدثنا محمد بن الفضل قال‏:‏ حدثنا عدي بن عاصم قال‏:‏ حدثنا يزيد بن هارون قال‏:‏ حدثنا جرير عن أبي السليل عن غنيم بن قيس عن أبي العوام قال‏:‏ قال كعب‏:‏ هل تدرون ما قوله ‏{‏وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا‏}‏‏؟‏ قالوا‏:‏ ما كنا نرى ورودها إلا دخولها‏.‏ قال‏:‏ لا، ولكن ورودها أن يجاء بجهنم كأنها متن إهالة، حتى إذا استوت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم نادى مناد‏:‏ خذي أصحابك وذري أصحابي، فتخسف بكلّ ولي لها وهي أعلم بهم من الوالد لولده، وينجو المؤمنون نديَّة ثيابهم‏.‏

قال‏:‏ وحدثني الثقة بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية كبا لها الناس كبوةً شديدة، وحزنوا حتى بلغ الحزن كل مبلغ، وليس أحداً إلا وهو يدخلها فأنشؤوا يبكون‏.‏

قال‏:‏ ونزل بابن مظعون ضيف فقال لامرأته‏:‏ هيئي لنا طعاماً فاستوصي بضيفك خيراً حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهى إليه وهم يبكون فقال‏:‏ ما يُبْكِيكُمْ‏؟‏ قالوا‏:‏ نزلت هذه الآية ‏{‏وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً‏}‏ يقول‏:‏ كائناً لا يبقى أحد إلا دخلها، فأنشأ عثمان بن مظعون يبكي، ثم انصرف إلى منزله باكياً، فلما أتى منزله سمعت امرأته بكاءه، فأنشأت تبكي، فلما سمع الضيف بكاءهما أنشأ يبكي، فلما دخل عليهما عثمان قال لها‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ قالت‏:‏ سمعت بكاءك فبكيت، فقال للضيف‏:‏ وأنت ما يبكيك‏؟‏ قال‏:‏ عرفت أن الذي أبكاكما سيبكيني، قال عثمان فابكوا وحق لكم أن تبكوا، أنزل الله عز وجل اليوم على رسوله ‏{‏وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا‏}‏ فمكثوا بعد هذه الآية سنتين، ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا‏}‏ وروي في بعض الأخبار أنه نزل بعد ثلاثة أيام ‏{‏ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا‏}‏ الشرك والمعاصي ‏{‏وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ المشركين جميعاً فيها، ففرح المسلمون بها قرأ الكسائي‏.‏

‏{‏نُنَجّى‏}‏ بالتخفيف والباقون بالنصب والتشديد، أنجى ينجي وَنَجَّى ينجي بمعنى واحد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 76‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ‏(‏73‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ‏(‏74‏)‏ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ‏(‏75‏)‏ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ‏(‏76‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ‏}‏ تعرض عليهم، يعني واضحات قد بين فيها الحلال والحرام ‏{‏قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ‏}‏ يعني أن النضر بن الحارث قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويقال‏:‏ أهل مكة قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏أَىُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً‏}‏ يعني أهل الدينين، يعني‏:‏ منزلاً، قرأ ابن كثير ‏{‏مَقَاماً‏}‏ بضم الميم والباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم فهو الإقامة، يقال‏:‏ أقمت إقامة ومقاماً، ومن قرأ بالنصب فهو المكان الذي يقام فيه ‏{‏وَأَحْسَنُ نَدِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ مجلساً، وذلك أنهم لبسوا الثياب، ودهنوا الرؤوس، ثم قالوا للمؤمنين‏:‏ أيُّ الفريقين خير منزلةً المسلمون أو المشركون‏؟‏ وأرادوا أن يصرفوهم عن دينهم ‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً‏}‏ يعني‏:‏ أكثر أموالاً وَرِئْياً يعني‏:‏ منظراً حسناً، فلم يُغن عنهم ذلك من عذاب الله شيئاً‏.‏ قرأ نافع وابن عامر ‏{‏***وريّاً‏}‏ بتشديد الياء بغير همز، يعني النعمة، والباقون ‏{‏***ورئياً‏}‏ بالهمز بغير تشديد يعني المنظر‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ وهكذا نقرأ مهموزاً لأنه من رؤية العين، وإنما هي المنظر‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَرِءياً قُلْ مَن كَانَ فِى الضلالة‏}‏ يعني‏:‏ قل يا محمد من كان في الكفر والشرك ‏{‏فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً‏}‏ يعني‏:‏ يزيد له مالاً وولداً‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏فَلْيَمْدُدْ‏}‏ هذا لفظ الأمر، ومعناه الخبر، وتأويله أن الله عز وجل جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها، ويمده فيها، كما قال ‏{‏الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏ ‏{‏حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ‏}‏ يعني في الآخرة من العذاب والثواب ‏{‏إِمَّا العذاب‏}‏ في الدنيا ‏{‏وَإِمَّا الساعة‏}‏ أي قيام الساعة ‏{‏فَسَيَعْلَمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ فسيعرفون يوم القيامة ‏{‏مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً‏}‏ يعني‏:‏ صنيعاً في الدنيا، ومنزلاً في الآخرة ‏{‏وَأَضْعَفُ جُنداً‏}‏ يعني‏:‏ أقل عدداً وقوة ومنعة أهم أم المؤمنون، ‏{‏وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى‏}‏ يعني‏:‏ يزيد الله عز وجل الذين آمنوا بالمنسوخ هدى بالناسخ ليعملوا بالناسخ دون المنسوخ، ويقال جعل جزاءهم أن يزيدهم في يقينهم ويزيدهم بصيرة ‏{‏والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا‏}‏ وقد ذكرناه ‏{‏وَخَيْرٌ مَّرَدّاً‏}‏ يعني‏:‏ وأفضل مرجعاً في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 82‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ‏(‏77‏)‏ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ‏(‏78‏)‏ كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ‏(‏79‏)‏ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ‏(‏80‏)‏ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ‏(‏81‏)‏ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ‏(‏82‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَرَأَيْتَ الذى كَفَرَ بئاياتنا‏}‏ يعني‏:‏ بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ‏{‏وَقَالَ لاَوتَيَنَّ‏}‏ يعني‏:‏ لأعطين ‏{‏مَالاً وَوَلَدًا‏}‏ في الجنة‏.‏ روى أسباط عن السدي أن خباب بن الأرت كان صائغاً يعمل للعاص بن وائل حلياً، فجاء يسأله أجره، فقال له العاص‏:‏ أنتم تزعمون أن لنا بعثة وجنة وناراً، فإذا كان يوم القيامة، فإني سأوتى مَالاً وَوَلداً، وأعطيك منه، فنزل ‏{‏أَفَرَأَيْتَ الذى كَفَرَ بئاياتنا وَقَالَ لاَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً‏}‏ في الجنة‏.‏ قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو ‏{‏مَالاً وَوَلَدًا‏}‏ بفتح اللام والواو في كل القرآن، غير أن أبا عمرو قرأ في سورة نوح بالضم، وهكذا روي عن مجاهد، وقرأ حمزة والكسائي بضم الواو وجزم اللام من ها هنا إلى آخر السورة، والتي في الزخرف، والتي في سورة نوح، وقال أبو عبيد‏:‏ إنما قرأ هكذا لأنهما جعلا الوُلْد غير الوَلَد، فيقال‏:‏ الوُلْد جماعة الأهل، والوَلَد واحد، وقال الزجاج‏:‏ الوُلْد مثل أسد وأُسْد، وجائز أن يكون الوَلد بمعنى الولد قال أبو عبيد والذي عندنا في ذلك أنهما لغتان، والذي نختاره منهما بفتح اللام والواو‏.‏

قال الله عز وجل رداً على الكافرين ‏{‏أَطَّلَعَ الغيب‏}‏ يقول‏:‏ أنظر في اللوح المحفوظ ‏{‏أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً‏}‏ يعني‏:‏ أعقد عند الله عقد التوحيد وهو قول لا إله إلاّ الله، ويقال‏:‏ أعهد إليه أن يجعل له في الجنة ‏{‏كَلاَّ‏}‏ وهو رد عليه لا يعطى له ذلك، واعلم أنه ليس في النصف الأول كلا، وأما النصف الثاني ففيه نيف وثلاثون موضعاً، ففي بعض المواضع في معنى الرد للكلام الأول، وفي بعض المواضع للتنبيه في معنى الافتتاح، وفي بعض المواضع يحتمل كلا الوجهين‏.‏ فأول ذلك ‏{‏أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً *** كَلاَّ‏}‏ تم الكلام عنده أي‏:‏ كلا لم يطلع الغيب ولم يتخذ عهداً، ثم ابتدأ ‏{‏سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ‏}‏ من ذلك قوله ‏{‏فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلاَّ‏}‏ لا يقتلونك‏.‏ وأما الذي هو للتنبيه في معنى الافتتاح قوله عز وجل ‏{‏حتى زُرْتُمُ المقابر * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏التكاثر‏:‏ 2/3‏]‏ وقوله عز وجل ‏{‏سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ‏}‏ من الكذب، يعني‏:‏ سنحفظ ما يقول ‏{‏وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب‏}‏ يعني‏:‏ نزيد له من العذاب ‏{‏مَدّاً‏}‏ يعني‏:‏ بعضه على إثر بعضٍ ‏{‏وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ‏}‏ يعني‏:‏ نعطيه غير ما يقول في الجنة، ونعطي ما يدعي لنفسه لغيره ‏{‏وَيَأْتِينَا فَرْداً‏}‏ يعني‏:‏ وحيداً بغير مال ولا ولد ‏{‏واتخذوا مِن دُونِ الله ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً‏}‏ يعني‏:‏ منعة في الآخرة ‏{‏كَلاَّ‏}‏ رد عليهم أي لا يكون لهم منعة‏.‏ وتم الكلام‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم‏}‏ يعني‏:‏ الآلهة يجحدون عبادتهم ‏{‏وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً‏}‏ يعني‏:‏ الآلهة تكون عوناً عليهم في العذاب، ويقال‏:‏ عدواً لهم في الآخرة، ومن هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَنْ طَلَبَ رِضَا المَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ عَادَ الحَامِدُ لَهُ ذَامّاً»

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 86‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ‏(‏83‏)‏ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ‏(‏84‏)‏ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ‏(‏85‏)‏ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ‏(‏86‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين‏}‏ يعني‏:‏ ألم تخبر في القرآن أنا سلطنا الشياطين ‏{‏عَلَى الكافرين‏}‏ مجازاة لهم ويقال‏:‏ خلينا بينهم وبين الكفار فلم نعصمهم ‏{‏تَؤُزُّهُمْ أَزّاً‏}‏ يعني‏:‏ تزعجهم إزعاجاً وتغريهم إغراءً حتى يركبوا المعاصي، قال الضحاك‏:‏ ‏{‏تَؤُزُّهُمْ أَزّاً‏}‏ أي تأمرهم أمراً، وقال الحسن‏:‏ تقدمهم إقداماً إلى الشر، وقال الكلبي‏:‏ نزلت الآية في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة رهط ‏{‏فَلاَ تَعْجَلْ‏}‏ يا محمد ‏{‏عَلَيْهِمْ‏}‏ بالعذاب ‏{‏إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً‏}‏ يعني‏:‏ أيام الحياة، ثم ينزل بهم العذاب ويقال‏:‏ نعد عليهم النفس بعد النفس ويقال‏:‏ الأيام والليالي والشهور قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين‏}‏ يعني‏:‏ اذكر يوم نحشر المتقين الذين اتقوا الشرك والفواحش ‏{‏إِلَى الرحمن وَفْداً‏}‏ يعني‏:‏ ركباناً على النوق والوفد جمع الوافد مثل الركب جمع راكب والوفد الذي يأتي بالخبر والبشارة ويجازي بالحياة الكرامة‏.‏ وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ ‏{‏يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً‏}‏ ثم قال‏:‏ أتدرون على أي شيء يحشرون أما والله ما يحشرون على أقدامهم، ولكن يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها أرحال الذهب، وأزمتها من الزبرجد ثم ينطلق بهم حتى يقرعوا باب الجنة‏.‏ وقال الربيع بن أنس يوفدون إلى ربهم فيكرمون ويعظمون ويشفعون ويحيون فيها بالسلام‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏إِلَى الرحمن‏}‏ يعني‏:‏ إلى الرحمة وهي الجنة ويقال‏:‏ ‏{‏إِلَى الرحمن‏}‏ يعني‏:‏ إلى دار الرحمن‏.‏ ثم قال عز وجل ‏{‏وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً‏}‏ يعني‏:‏ عطاشاً مشاة، وأصله الورود على الماء والوارد على الماء يكون عطشاناً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 98‏]‏

‏{‏لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ‏(‏87‏)‏ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ‏(‏88‏)‏ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ‏(‏89‏)‏ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ‏(‏90‏)‏ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ‏(‏91‏)‏ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ‏(‏92‏)‏ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ‏(‏93‏)‏ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ‏(‏94‏)‏ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ‏(‏95‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ‏(‏96‏)‏ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ‏(‏97‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ‏(‏98‏)‏‏}‏

قال عز وجل‏:‏ ‏{‏لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً‏}‏ يعني‏:‏ من جاء بلا إله إلا الله، وقال سفيان الثوري‏:‏ إلا من قدم عملاً صالحاً ‏{‏وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً‏}‏ يعني‏:‏ اليهود والنصارى ‏{‏لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً‏}‏ يعني‏:‏ قلتم قولاً عظيماً منكراً ويقال كذباً وزوراً، قال عز وجل ‏{‏تَكَادُ * السموات *** يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ‏}‏ يعني‏:‏ من قولهم ‏{‏وَتَنشَقُّ الارض‏}‏ يعني‏:‏ تتصدع الأرض ‏{‏وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً‏}‏ تصير الجبال كسراً ‏{‏أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً‏}‏ يعني‏:‏ بأن قالوا لله ولد‏.‏ روي عن بعض الصحابة أنه قال كان بنو آدم لا يأتون شجرة إلا أصابوا منها منفعة حتى قالت فجرة بني آدم اتَّخذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً اقشعرت الأرض وهلك الشجر، وقرأ نافع والكسائي ‏{‏يَكَادُ‏}‏ بالياء على لفظ التذكير والباقون بالتاء لأن الفعل مقدم، فيجوز كلاهما، وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم في رواية حفص ‏{‏يَتَفَطَّرْنَ‏}‏ بالتاء والباقون بالنون ومعناهما واحد مثل ينشق وتنشق، قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً‏}‏ يعني‏:‏ ما اتخذ الله عز وجل ولداً ‏{‏إِن كُلُّ مَن فِى *** السموات والارض **إِلاَّ اتِى الرحمن عَبْداً‏}‏ يعني‏:‏ أقر بالعبودية يعني‏:‏ به الملائكة وعيسى وعزيراً وغيرهم ‏{‏لَّقَدْ أحصاهم‏}‏ يعني‏:‏ حفظ عليهم أعمالهم ليجازيهم بها ‏{‏وَعَدَّهُمْ عَدّاً‏}‏ يعني‏:‏ علم عددهم، ويقال‏:‏ ‏{‏أحصاهم‏}‏ أي‏:‏ حفظ أعمالهم فيجازيهم ‏{‏وَعَدَّهُمْ عَدّاً‏}‏ أي‏:‏ علم عدد أنفاسهم وحركاتهم ‏{‏وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً‏}‏ يعني‏:‏ وحيداً بغير مال ولا ولد ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ يعني‏:‏ الطاعات فيما بينهم وبين ربهم ‏{‏سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً‏}‏ يعني‏:‏ يحبهم ويحببهم إلى الناس، وقال كعب الأحبار‏:‏ قرأت في التوراة أنها لم تكن محبة لأحد إلا كان بدؤها من الله تعالى ينزل إلى أهل السماء ثم ينزلها إلى أهل الأرض، ثم قرأت القرآن فوجدته فيه وهو قوله ‏{‏سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً‏}‏ يعني‏:‏ محبة في أنفس القوم، روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إِذَا أَحَبَّ الله عَبْدَاً نَادَىَ جِبْرِيْلَ قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَنَاً فَأَحِبُّوهُ فَيُنَادِي في السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ المَحَبَّةُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ الله عَبْدَاً نَادَىَ جِبْرِيلَ قَدْ أَبْغَضْتُ فُلاناً فَيُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءَ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ»‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَإِنَّمَا يسرناه بِلَسَانِكَ‏}‏ يعني‏:‏ هَوَّنا قراءة القرآن على لسانك ‏{‏لِتُبَشّرَ بِهِ المتقين‏}‏ أي‏:‏ الموحدين ‏{‏وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً‏}‏ أي جُدلاً بالباطل شديدي الخصومة، هو جمع ألد مثل أصم وصم‏.‏

‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ‏}‏ يعني‏:‏ من قبل قريش ‏{‏هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ *** مّنْ أَحَدٍ‏}‏ يعني‏:‏ هل ترى منهم من أحد ‏{‏أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً‏}‏ أي صوتاً خفياً، والركز الصوت الذي لا يفهم، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله‏.‏

سورة طه

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏طه ‏(‏1‏)‏ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ‏(‏2‏)‏ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ‏(‏3‏)‏ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ‏(‏4‏)‏ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ‏(‏5‏)‏ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏طه‏}‏ قرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي في رواية أبي بكر «طِهِ» بكسر الطاء والهاء، وقرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية حفص بنصب الطاء والهاء، وقرأ نافع وسطاً بين النصب والكسر، وقرأ أبو عمرو وابن العلاء بنصب الطاء وكسر الهاء‏.‏

قال ابن عباس رضي الله عنه في رواية أبي صالح‏:‏ لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادة، فاشتد عليه، فجعل يصلي الليل كله حتى شق عليه ذلك، ونحل جسمه، وتغير لونه فقال أبو جهل وأصحابه‏:‏ إنك شقي فأتنا بآية أنه ليس مع إلهك إله، فنزل ‏{‏طه‏}‏ يعني‏:‏ يا رجل بلسان عك، وعنى به النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال عكرمة والسدي‏:‏ هو بالنبطية، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال‏:‏ طه كقولك يا فلان، ويقال‏:‏ إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع رجلاً ووضع أُخرى، فنزل‏:‏ ‏{‏طه‏}‏ يعني‏:‏ طإ الأرض بقدميك جميعاً‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏طه‏}‏ فواتح السورة‏.‏

ويقال‏:‏ طا طرب المؤمنين في الجنة وها هو أن الكافرين في النار‏.‏

ويقال‏:‏ الطا طلب المؤمنين في الحرب والها‏:‏ هرب الكافرين‏.‏

‏{‏مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى‏}‏ يعني‏:‏ لتنصب نفسك وتتعبها ‏{‏إِلاَّ تَذْكِرَةً لّمَن يخشى‏}‏ يقول‏:‏ لم ننزله إلا عظة لمن يسلم، وقال القتبي‏:‏ في الآية تقديم، يقول‏:‏ ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى لا أن تشقى، ثم قال‏:‏ ‏{‏تَنْزِيلاً‏}‏ يعني‏:‏ تنزل به جبريل عليه السلام ‏{‏مّمَّنْ خَلَق الارض والسماوات العلى‏}‏ يعني‏:‏ نزل من عند خالق السموات والأرض ‏{‏العلى‏}‏ يعني‏:‏ الرفيع‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ ‏{‏العلى‏}‏ جمع العليا، تقول‏:‏ السماء العليا والسموات العلى ثم قال ‏{‏الرحمن عَلَى العرش استوى‏}‏ أي‏:‏ حكمه، ويقال‏:‏ كان فوق العرش حين خلق السموات والأرض ويقال‏:‏ استوى استولى وملك كما يقال‏:‏ استوى فلان على بلد كذا يعني‏:‏ استولى عليها وملكها، فالله تعالى بين لخلقه قدرته وتمام ملكه أنه يملك العرش وله ما في السموات وما في الأرض، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض *** وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثرى‏}‏ يعني‏:‏ ما تحت الأرض السابعة السفلى وروى أسباط عن السدي في قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا تَحْتَ الثرى‏}‏ قال‏:‏ الصخرة التي تحت الأرض السابعة وهي صخرة خضراء، وهي سجين التي فيها كتاب الكفار، ويقال‏:‏ الثرى تراب رطب مقدار خمسمائة عام تحت الأرض، ولولا ذلك لأحرقت النار الدنيا وما فيها‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ بسطت الأرض على الصخرة، والصخرة بين قرني الثور، والثور على الثرى وما يعلم ما تحت الثرى، إلا الله عز وجل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 12‏]‏

‏{‏وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ‏(‏7‏)‏ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ‏(‏8‏)‏ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ‏(‏9‏)‏ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ‏(‏10‏)‏ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ‏(‏11‏)‏ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ‏(‏12‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِن تَجْهَرْ بالقول‏}‏ يعني‏:‏ تعلن بالقرآن ‏{‏فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى‏}‏ يعني‏:‏ ما أسررت في نفسك ‏{‏وَأَخْفَى‏}‏ يعني‏:‏ ما لم تحدث في نفسك، وهذا قول الضحاك، وقال ابن عباس هكذا، وقال عكرمة‏:‏ السر ما حدث الرجل به أهله وأخفى ما تكلمت به نفسك، وروى منصور بن عمار عن بعض الصحابة قال‏:‏ السر ما أسررت به في نفسك، وأخفى من السر ما لم يطلع عليه أحد أنه كَائِنٌ، ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ‏}‏ يعني‏:‏ هو الله الخالق الرزاق لا خالق ولا رازق غيره ‏{‏لَهُ الاسماء الحسنى‏}‏ يعني‏:‏ الصفات العلى‏.‏

‏{‏وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى‏}‏ يعني‏:‏ خبر موسى عليه السلام في القرآن ثم أخبره فقال ‏{‏إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لاِهْلِهِ امكثوا‏}‏ يعني‏:‏ انزلوا مكانكم وقفوا ‏{‏إِنّى آنَسْتُ نَاراً‏}‏ يعني‏:‏ أبصرت ناراً وذلك حين رجع من مدين مع أهله أصابهم البرد فرأى موسى ناراً من البعد فقال لهم‏:‏ ‏{‏امكثوا إِنّى ءانَسْتُ نَاراً‏}‏ ‏{‏لَّعَلّى اتِيكُمْ مّنْهَا بِقَبَسٍ‏}‏ يعني‏:‏ بشعلة وهو ما اقتبس من عود ‏{‏أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى‏}‏ يعني‏:‏ هادياً يدلنا على الطريق وكان موسى عليه السلام ضل الطريق وكانت ليلة مظلمة ‏{‏فَلَمَّا أتاها‏}‏ يعني‏:‏ انتهى إلى النار ‏{‏نُودِىَ‏}‏ يعني‏:‏ دعي ‏{‏حَدِيثُ موسى‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لما أتى النار فإذا هي نار بيضاء تستوقد من شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها وهي خضراء فجعل يتعجب منها، وقال في رواية كعب‏:‏ فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه، فلما طال ذلك أهوى إليها بضغث في يده وهو يريد أن يقتبس من لهبها، فلما فعل ذلك مالت نحوه كأنها تريده، فاستأخر عنها، ثم عاد فطاف بها، فنودي ‏{‏واحدة فَإِذَا هُم بالساهرة هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ‏}‏ يعني‏:‏ المطهر، قال مقاتل‏:‏ طوى اسم الوادي، وقال مجاهد‏:‏ أي‏:‏ طي الأرض حافياً‏.‏ قال عامة المفسرين‏:‏ إنما أمره أن يخلع نعليه لأنهما كانا من جلد حمار ميت، وقال بعضم‏:‏ أراد أن يصيب باطن قدميه من الوادي ليتبرك به، وروي عن كعب الأحبار أنه كان جالساً في المسجد فجاء رجل يصلي فخلع نعليه ثم جاء آخر يصلي فخلع نعليه، ثم جاء آخر فخلع نعليه، فقال لهم كعب الأحبار‏:‏ أنبيكم صلى الله عليه وسلم أمركم بهذا‏؟‏ قالوا لا‏.‏ قال‏:‏ فلم تخلعون نعالكم إذا صليتم‏؟‏ قالوا‏:‏ سمعنا الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏أَتَاكَ حَدِيثُ موسى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ‏}‏ قال‏:‏ أتدرون من أي شيء كانتا نعلاه‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ إنما كانتا من جلد حمار ميت، فأمره الله تعالى أن يخلعهما ليمسه القدس كله‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ ‏{‏أَتَاكَ حَدِيثُ موسى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ‏}‏ قال‏:‏ لكي يمس راحة قدميه الأرض الطيبة‏.‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ‏{‏إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ‏}‏ بنصب الألف يعني‏:‏ بأني أنا ربك على معنى البناء، والباقون بكسر الهاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع ‏{‏طُوًى‏}‏ بنصب الواو بغير تنوين وقرأ الباقون بالتنوين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 16‏]‏

‏{‏وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ‏(‏13‏)‏ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ‏(‏14‏)‏ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ‏(‏15‏)‏ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ‏(‏16‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأَنَا اخترتك‏}‏ يعني‏:‏ اصطفيتك للرسالة، قرأ حمزة بكسر الألف وتشديد النون ‏{‏وَأَنَا‏}‏ بالنون بلفظ الجماعة، والباقون بنصب الألف وتخفيف النون و‏{‏أَنَاْ *** اخترتك‏}‏ بالتاء، قال أبو عبيدة‏:‏ وبهذا نقرأ لموافقة الخط يعني‏:‏ بخط عثمان ثم قال‏:‏ ‏{‏فاستمع لِمَا يُوحَى‏}‏ يعني‏:‏ اعمل بما تؤمر وتنهى، ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ فاعبدنى‏}‏ يعني‏:‏ أطعني واستقم على توحيدي ‏{‏إِنَّنِى أَنَا الله‏}‏ يعني‏:‏ لتذكرني فيها، ويقال‏:‏ إن نسيت الصلاة فصلها إذا ذكرتها‏.‏ وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس قال‏:‏ «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إذا ذَكَرَهَا إِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ‏:‏ ‏{‏أَقِمِ الصلاة *** لِذِكْرِى‏}‏» قال بعضهم‏:‏ هذا خطاب لموسى وقال بعضهم‏:‏ هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله ‏{‏واتبع هَوَاهُ فتردى‏}‏ ثم رجع إلى قصة موسى بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى * فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا واتبع هَوَاهُ فتردى * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى *** موسى‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ كائنة ‏{‏أَكَادُ أُخْفِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ أسرها عن نفسي فكيف أعلنها لكم يا أهل مكة‏؟‏ هكذا روي عن جماعة من المتقدمين، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح، وقال القتبي كذلك في قراءة أبيّ أخفيها من نفسي، وهكذا روى جماعة من المتقدمين، وروى طلحة عن عطاء في قوله ‏{‏إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا‏}‏ عن نفسي، وروي في إحدى الروايتين عن أبي بن كعب أنه كان يقول ‏{‏أَكَادُ أُخْفِيهَا‏}‏ بنصب الألف يعني‏:‏ أكاد أظهرها، وهي قراءة سعيد بن جبير قال أهل اللغة‏:‏ خفى أي أظهر، وقال امرؤ القيس‏:‏

خفاهن من انفاقهن كأنما

خفاهن ودق من عشيّ مجلب يذكر الفرس أنه استخرج الفأرة من جحرهن كالمطر، ثم قال‏:‏ ‏{‏لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى‏}‏ يعني‏:‏ لتثاب كل نفس بما تعمل‏:‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا‏}‏ يعني‏:‏ لا يصرفنك عنها، يعني‏:‏ عن الإقرار بقيام الساعة ‏{‏مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا‏}‏ يعني‏:‏ من لا يصدق بقيام الساعة ‏{‏واتبع هَوَاهُ فتردى‏}‏ يعني‏:‏ فتهلك، ويقال‏:‏ الردى الموت والهلاك، ثم رجع إلى قصة موسى عليه السلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 23‏]‏

‏{‏وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ‏(‏17‏)‏ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ‏(‏18‏)‏ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ‏(‏19‏)‏ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ‏(‏20‏)‏ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ‏(‏21‏)‏ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى ‏(‏22‏)‏ لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى ‏(‏23‏)‏‏}‏

فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى *** موسى‏}‏ يعني‏:‏ أي الشيء الذي بيدك، وكان عالماً بما في يده ولكن الحكمة في سؤاله لإزالة الوحشة عن موسى، لأن موسى كان خائفاً مستوحشاً كرجل دخل على ملك وهو خائف فسأله عن أي شيء فتزول بعض الوحشة عنه بذلك ويستأنس بسؤاله، وقال بعضهم‏:‏ إنما سأله تقريراً له أن ما في يده عصاً لكيلا يخاف إذا صار ثعباناً ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى ‏{‏قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا‏}‏ يعني‏:‏ أعتمد عليها إذا أعييت ‏{‏وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِى‏}‏ يعني‏:‏ أخبط بها ورق الشجر لغنمي، فإن قيل إنما سأله عما في يده ولم يسأله عما يصنع بها فلم أجاب موسى عن شيء لم يسأله عنه‏؟‏ قيل له‏:‏ قد قال بعضهم‏:‏ في الآية إضمار يعني‏:‏ ‏{‏وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى *** موسى * قَالَ هِىَ عَصَاىَ‏}‏ فقال وما تصنع بها قال ‏{‏قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ‏}‏ وقال بعضهم‏:‏ إنما خاف موسى بذلك لأنه أمره بأن يخلع نعليه، فخاف أن يأمره بإلقاء عصاه، فجعل يذكر منافع عصاه فقال‏:‏ ‏{‏قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ‏}‏ ‏{‏وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أخرى‏}‏ يعني‏:‏ حوائج أُخرى وواحدها مأربة، وقال مقاتل‏:‏ كان موسى يحمل زاده على عصاه إذا سار، وكان يركزها في الأرض فيخرج الماء، وتضيء له بالليل بغير قمر، فيهتدي على غنمه‏.‏ وروى أسباط عن السدي قال‏:‏ كانت عصا موسى من عود شجر آس من شجر الجنة، وكان استودعها إياه ملك من الملائكة في صورة إنسان، يعني‏:‏ عند شعيب، وقال علي بن أبي طالب‏:‏ كانت عصا موسى من عود ورد من شجر الجنة اثني عشر ذراعاً من ذراع موسى‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ أَلْقِهَا ياموسى *** موسى‏}‏ يعني‏:‏ ألق عصاك من يدك فظن موسى أنه يأمره بإلقائها على وجه الرفض، فلم يجد بداً ‏{‏فألقاها فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى‏}‏ يعني‏:‏ تسرح وتسير على بطنها رافعة رأسها، فخاف موسى وولى هارباً ‏{‏قَالَ‏}‏ الله تعالى لموسى‏:‏ ‏{‏خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الاولى‏}‏ يعني‏:‏ سنجعلها عصاً كما كانت أول مرة وأصل السيرة الطريقة كما يقال‏:‏ فلان على سيرة فلان، أي على طريقته، وإنما صار نصباً لنزع الخافض، والمعنى‏:‏ سنعيدها إلى حالها الأولى، فتناولها موسى فإِذا هي عصاً كما كانت، ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ‏}‏ قال الكلبي‏:‏ الجناح أسفل الإبط، يعني‏:‏ أدخل يدك تحت إبطك ‏{‏تَخْرُجْ بَيْضَاء‏}‏ لها شعاع يضي ‏(‏كضوء‏)‏ الشمس ‏{‏مِنْ غَيْرِ سُوء‏}‏ يعني‏:‏ من غير برص ‏{‏أخرى لِنُرِيَكَ‏}‏ يعني‏:‏ علامة أُخرى مع العصا ‏{‏لِنُرِيَكَ مِنْ ءاياتنا الكبرى‏}‏ يعني‏:‏ العظمى، ومعناه‏:‏ لنريك الكبرى من آياتنا ولهذا لم يقل الكبريات لأنه وقع المعنى على واحدة‏.‏